محمد بن جرير الطبري

153

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فذلك حين يقول : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قال : بعضهن فوق بعض ، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض . وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قال : بعضهن فوق بعض ، بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام . وحدثنا المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله حيث ذكر خلق الأَرض قبل السماء ، ثم ذكر السماء قبل الأَرض ، وذلك أن الله خلق الأَرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، ثم دحا الأَرض بعد ذلك فذلك قوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها وحدثني المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني أبو معشر ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن عبد الله بن سلام أنه قال : إن الله بدأ الخلق يوم الأَحد ، فخلق الأَرضين في الأَحد والاثنين ، وخلق الأَقوات والرواسي في الثلاثاء والأَربعاء ، وخلق السماوات في الخميس والجمعة ، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة ، فخلق فيها آدم على عجل ؛ فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة . قال أبو جعفر : فمعنى الكلام إذا : هو الذي أنعم عليكم ، فخلق لكم ما في الأَرض جميعا وسخره لكم تفضلا منه بذلك عليكم ، ليكون لكم بلاغا في دنياكم ، ومتاعا إلى موافاة آجالكم ، ودليلا لكم على وحدانية ربكم . ثم علا إلى السماوات السبع وهي دخان ، فسواهن وحبكهن ، وأجرى في بعضهن شمسه وقمره ونجومه ، وقدر في كل واحدة منهن ما قدر من خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . يعني بقوله جل جلاله : وَهُوَ نفسه وبقوله : بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أن الذي خلقكم وخلق لكم ما في الأَرض جميعا ، وسوى السماوات السبع بما فيهن ، فأحكمهن من دخان الماء وأتقن صنعهن ، لا يخفى عليه أيها المنافقون والملحدون الكافرون به من أهل الكتاب ، ما تبدون وما تكتمون في أنفسكم ، وإن أبدى منافقوكم بألسنتهم قولهم : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وهم على التكذيب به منطوون . وكذبت أحباركم بما أتاهم به رسولي من الهدى والنور وهم بصحته عارفون ، وجحدوا وكتموا ما قد أخذت عليهم ببيانه لخلقي من أمر محمد ونبوته المواثيق ، وهم به عالمون ؛ بل أنا عالم بذلك وغيره من أموركم ، وأمور غيركم ، إني بكل شيء عليم . وقوله : عَلِيمٌ بمعنى عالم . وروي عن ابن عباس أنه كان يقول : هو الذي قد كمل في علمه . حدثني المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنا معاوية بن صالح ، قال : حدثني علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : العالم الذي قد كمل في علمه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ قال أبو جعفر : زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة أن تأويل قوله : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ وقال ربك ، وأن " إذ " من الحروف الزوائد ، وأن معناها الحذف . واعتل لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأَسود بن يعفر : فإذا وذلك لا مهاه لذكره * والدهر يعقب صالحا بفساد ثم قال : ومعناها : وذلك لا مهاه لذكره . وببيت عبد مناف بن ربع الهذلي : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا وقال : معناه : حتى أسلكوهم . قال أبو جعفر : والأَمر في ذلك بخلاف ما قال ؛ وذلك أن " إذ " حرف يأتي